المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما تموت فضيلة المروءة{قصة واقعية}


صاحب القلم
09/12/2006, 04:46 صباحاً
يحكى أن كافرا من قريش رأى في الصحراء ,امرأة مسلمة تفر بدينها ,مهاجرة إلى المدينة المنورة, فاقترب منها وأناخ لها الناقة التي كان يركبها, وسار بها حتى أوصلها متاخم المدينة ولم يضايقها أو يزعجها طوال المسير, وعاد سيرا على الأقدام الى مكة .
ويحكى أن سيدنا موسى –ولم يكن قد أضحى نبيا- لما وصل ماء مدين, رأى امرأتين تحبسان الماء عن غنمهما لعجزهما وضعفهما عن مزاحمة الرجال, وتنتظران أن يسقي الناس, حتى يفسح المجال لهما لسقي الغنم ,عوضا عن أبيهما الذي أصابه الكبر والضعف, فسقى لهما الماشية, ثم تولى الى الظل وقد اشتد به الجوع, ورغم ذلك كان رافضا لنيل الأجرة منهما لقاء ما سقى لهما.
وعندي ما ترك ذلك الكافر ناقته لتلك المرآة المسلمة وعاد سيرا على الأقدام وما سقى سيدنا موسى عليه السلام للفتاتين الضعيفتين إلا لفضيلة نعاها
الشعراء في قصائدهم والأدباء في معرض حديثهم عن موت الفضائل ألا وهي فضيلة المروءة
ولطالما وجدت نفسي أيّها الأحبة مستنجدا بالتاريخ, كلما آلمني موت فضيلة من الفضائل أمام عيناي, فالتاريخ هو القصة الكاملة والحكمة المنشودة
والعبرة في أبهى صورها.
ولعلي أحسب نفسي في هذا المقام مخبركم بتلك الواقعة المأسوف على دقائقها وثوانيها وأبطالها ومكانها, والتي حدثت في دار العدل و القضاء{القصر العدليْ}
امرأة عجوز قد تجاوزت السبعين من عمرها تريد صعود الدرج ومعها كيس لا يقل وزنه عن 5 كغ وسأسعى جاهدا لرسم ذلك المشهد المؤلم جيدا
كانت تمشي ببطء كبير يذكرك بالمشاهد التي تعرض على الشاشة الصغيرة معادة ببطء وكانت تتمايل في مشيها ليس حبا منها بعودة روح الشباب, بل لأن الريح التي كانت تعصف بالمكان أقوى من جسدها وكانت تتكىء على عصاة غليظة{ لا تدري من يتكىء على من} , ولم تصعد أي درجة والكيس في يدها بل الكيس درجة وقدمها درجة, وأما الناس في ذلك المكان فأشبه ما يسعك خيالك أن تتصورهم خلية نحل تمارس حياتها بكل همة ونشاط ,فلقد كانوا يجيؤن ويذهبون أمام ناظريها, والكل يمر بجانبها وكأنها فراغ ونسيا منسيا, وأحسب ذلك الظالم الذي جاء إلى دار القضاء والعدل, ليزرع رذيلة الظلم وقد مرّ من أمام ناظريها ولم يلحظ وجودها قد ماتت فضيلة المروءة لديه لتنضم الى رفيقاتها من الفضائل الشهيدة ,وأحسب ذلك المظلوم الذي جاء الى دار القضاء لينقذ فضيلة العدالة قد خسر بمروره من جانبها دون تقديم العون والمساعدة لها فضيلة المروءة, فلا الظالم والمظلوم ولا الشاهد والمشهود دعته مروءته ونخوته لمد يد العون والمساعدة لها, وكأنك في الغابة فهل رأيت ياصديقي ذئبا يلقي السلام على الغنم إلا بأسنانه تصور يرحمك الله!!!
وفي نهاية المطاف تقدم إليها أحد الرجال الذين بقيت في نفوسهم نفحات من تلك الفضيلة فساعدها وحمل لها الكيس فلم تجد إلا لسانها لتقديم الشكر له
والدعاء له بالصحة والحياة السعيدة الهانئة.
ولأن فضائل المعروف تقي مصارع السوء كما أخبرنا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , ولأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا
كما أخبرتنا آيات الذكر الحكيم, أجد نفسي مخبركم بأن ذلك الكافر الذي دعته مروءته لمساعدة تلك المرأة الضعيفة قد أكرمه الله بالإسلام وبات من الصحابة الكرام, وأن سيدنا موسى عليه السلام قد تزوج من إحدى المرأتين التين سقى لهما وأبيها سيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام
ورحم الله شاعرنا حين قال
وما المرء إلا ذمة ووفاء
وكل كبير بعد ذاك صغير

تمت بعون الله تعالى وأتم رعايته

ربيع الأندلس0000

غيمة عطر
09/12/2006, 06:20 صباحاً
قصة جميلة وسرد ممتع

شكرا لك أخي

أبو محمد
09/12/2006, 08:57 صباحاً
أخيرا باتت الفضيلة موضوعا بل بات الموضوع ورقة نعي للفضيلة
اللهم لا تُمت الفضيلة في قلوبنا
وجزاك الله كل خير أخي و يعطيك العافية

نور الإيمان
09/12/2006, 09:55 مساء
ورحم الله شاعرنا حين قال
وما المرء إلا ذمة ووفاء
وكل كبير بعد ذاك صغير

لا أستطيع التعليق بعد ما قرأت هذه الكلمات

مشكور أخي ربيع الأندلس على هذه القصة الجميلة والحزينة في نفس الوقت

صاحب القلم
10/12/2006, 08:19 مساء
جزاكم الله خيرا
على مروركم الكريم
وكلماتكم العطرة

الطبيب
12/12/2006, 07:03 مساء
قصة رائعة موؤثرة جدا

وفيها من البلاغة ما يعجز اللسان عن حصره

وما تعجز الدواة عن استيعابه

وفقك الله أخي ربيع الأندلس

صاحب القلم
14/12/2006, 03:55 صباحاً
جزاك الله خيرا أخي
الطبيب على تشجيعك المستمر لي

rami55
18/07/2009, 03:39 صباحاً
الارتقاء إلى الفضائل صعب منجي

والإنحطاط إلى الرذائل سهل مردي

أشكرك أخي صاحب القلم على قصتك الواقعية