عهد قوجة
03/06/2010, 12:12 صباحاً
الرابح هو الببغاء
كانت الأيام تمضي ببطء, دون أي أحداث ملفتة, في مدينة صغيرة جدا", فاترة جدا", جميلة جدا", تقع على شاطئ صخري عال أمام بحر سوريا العظيم.
و رغم اتساع البحر اللامحدود, و الفضاء المفتوح على كل الممكنات كل مساء, إلا أني لاحظت في سن مبكرة كم هي خالية مدينتي من أي شيء.
لا شيء يحدث, و إذا حدث و حدث شيء.. يبقى خالدا" أبديا" لا ينسى, يولد في كل لحظة من جديد, و كأنه يتناسخ عبر الأفواه و الأفكار, يتقمص كل يوم شخصية راويه و يتحول مع السنين لهوية ما, يحصرونك ضمنها, و تصبح أنت.. الإنسان, كائنا" محدودا", أسيرا" لحدث ما أو غلطة ما اقترفتها قبل أن تفتح عينيك.
قررت أن أتركها منذ ذاك الزمان, بعد أن تركتني أتساءل, و تابعت محاولاتي إلى أن نجحت,و انطلقت في رحلة نسيان كما يقول ماركيز.
و مؤخرا" فقط, قرأت لأدونيس جملة يقول فيها أن العالم العربي يبدو له كبلدة أو قرية صغيرة تعيش بعيدا" عن الحياة الواقعية, تحيا خارج التاريخ. و لذا فهي لا تؤثر و لا تشكل فرقا".
و الحقيقة أني توقفت طويلا" مقارنة تشبيهه للعالم العربي بتلك القرية المتأخرة, بمدينتي الصغيرة و كيف هربت منها.
و أسأل اليوم.. كيف يفر الإنسان من قريتنا هذه, وطننا العربي هذا, تخلفنا هذا, و حلمنا الجماعي المكسور هذا؟
كيف ننطلق باتجاه العالم المتحضر-الحياة الحيّة و نحن مشبعين بفراغنا الرهيب, فحين هربت أنا من مدينتي كنت أحمل مكنونات نادرة أستعملها كل يوم لأحيا دون أن أذوب كالملح في طوفان البشر المتهادي دون دليل في مدينة كبيرة مثل دمشق..فماذا يستعمل الانسان العربي عندما يهجر وطنه و يغادر غربا"؟؟
فهو لا يستطيع أن يعاصر المكان الذي سيرحل إليه, و بعد أن يغادر و يغيب عن القرية, لن يستطيع أبدا" احتمال العيش فيها مجددا" إذا فكر في ذلك..
مأساة متعددة الأوجه, متجددة عبر الزمان, مقيتة .
ما هي الميزات التي يملكها المواطن العربي اليوم.
صفر.
يولد الطفل العربي في كل البيوت باختلاف المستويات المادية و الاجتماعية ليجد أن أفضل غذاء يقدم له هو كل غذاء مزيف.
و من هنا تبدأ الحكاية.
الزيف في كل شيء, الكذب في كل جرعة ماء, الضعف في كل ملعقة سكر توضع في الشاي, فاخر الاسم رديء النوعية.
في الحليب الممهور بأختام الصحة المشين لدرجة الخجل من فراغه من كل مادة مغذية.
و قس على ذلك كل الخضراوات والفواكه التي ترتدي المبيدات الحشرية و الهرمونات بدلا" من القشور.
و القمح المخزن منذ عهد بني العباس في الصوامع, الفاقد لكل الخير.
لا خير, لا غذاء, لا نظافة, لا في القلوب و لا في الأيدي و لا في البطون.
فأي مواطن هذا الذي سينتج من هذه المعادلة البشعة.
و بعد إساءة البناء الجسماني, يتدرج الطالب العربي في المدرسة, التي ستتولى بكل نجاح مهمة تكريهه و أهله في كل كتاب, في الاجتهاد و النجاح, ستسرق منه كل أحلامه و طموحاته, و ستقولبه لتجعل منه مواطنا" نموذجيا" سكوتا" مطيعا" مهزوزا" بيدين طويلتين, ممهورتين بأختام الجامعات التي تشهد بأنه انضم لقافلة الخريجين, حاملي الشهادات العليا في الجهل و التخلف.
و سيعلق كل واحد منهم شهادته تلك في صدر الغرفة, متباهيا" بما يؤكد مشروعية انمحاء شخصيته و انضمامه للجمع الغفير الرمادي المغبر الذي يبدو من بعيد كسرب اسماك ساكن, مثل صنم مجيد بين زمنين, أو كقطيع خرفان يهشونها , يسيرونها, يجوعونها, يسيئون معاملتها, يهينونها, يرمونها, يمسحون بها أوساخ بقية الأمم, لا فرق .. فالمهم عند العربي الانتماء لتلك الجماعة.. و عدم الخروج عنها, و الأهم.. عدم التميز, و التهرب من كل صرخة إبداع يطلقها عقله الحبيس.
تقتل المدارس المبدع, و توقف اكتسابه للعلوم الحقيقية, و تنسيه ذاته, و تتهجم على معتقداته النامية كالبراعم الصغيرة تحت نور الواحد الأحد.. لتدوسها, و تزرع في تربته بذارها المعدلة جينيا" نحو الاعتقاد المنظم بإله يناسب المؤسسات, كل المؤسسات, و لا يخيف أحدا".
بدليل أن الدين لم ينجح حتى اليوم في تغيير سلوك المجتمعات.
تربي المدارس الكذب في نفس التلميذ العربي المجتهد.. و تدربه على ارتداء الأقنعة.
تنمي فيه الأنانية, و تهمس له كل يوم.. كن ببغاء... كن ببغاء..فالرابح هو الببغاء.
ماذا نتوقع من هذا الفرد, الناشئ, كيف سيستقبل العالم و هل سيفكر يوما" في هجر الوكر الدنيء الذي يعيش فيه؟
و إذا خرج.. كيف سينزع الكذب من دمه, كيف سينسى الأقنعة و الوجوه, كيف سيرمي مقتنياته الهشة التي رباها الشبر بالنذر.
كيف سيقف وحده عاريا" دون قطيع؟
يتماهى, يتموه, ينتهي, يبدأ من جديد, و يموت كل مرة..مرتكبا" نفس الخطايا.
يتكرر كل يوم في كل شخص يحلم فقط في أن يأكل, و يشرب, و ينام, و يذهب يوم العطلة لعند أمه.
و فيما يخص المستقبل.. يرى أنه فعل كل ما يجب في إنجابه لأبناء يحملون اسمه فقط ( لأن من خلّف ما مات).. ليساعدوه وحده عندما يشيخ, ليحملوا جثته عندما يموت, ليوارونه الثرى دون منيّة الغريب, دون الاكتراث بقدرتهم على مساعدة أنفسهم.. هذا أمر تافه!
فالمهم أن توجد بجسدك, لا يجب أن تقبل بعدم التواجد. و لا يهم أبدا" ماذا تفعل..أو بماذا تفكر..
هذه ببساطة هي آمال الفرد العربي و مبرراته في إنجاب الكثير من الأولاد.
إلى جانب أنه يجب أن يتكاثر كي يحرر أحفاده ذات يوم ما سرق منهم. و أنه يجب ان يتكاثر أكثر ليباهي به نبيه( بعدده) و ليس بعدته يوم القيامة شعوبا" أخرى لم و لن تبزه عددا" أبدا.
فليحيا وطن الببغاوات إلى الأبد..شامخا", متغنيا" بخرافات يرددها صغاره صباح كل يوم في مدارسهم , بهتافات جوفاء لا يليق بها سوى اسم الخيال اللا علمي..
فلتحيا الأكاذيب وحدها و أوهام الوحدة و الحرية على صخرة تتكسر تحت قدميها النفوس.. كل النفوس.
المترجمة يارا البرازي
كانت الأيام تمضي ببطء, دون أي أحداث ملفتة, في مدينة صغيرة جدا", فاترة جدا", جميلة جدا", تقع على شاطئ صخري عال أمام بحر سوريا العظيم.
و رغم اتساع البحر اللامحدود, و الفضاء المفتوح على كل الممكنات كل مساء, إلا أني لاحظت في سن مبكرة كم هي خالية مدينتي من أي شيء.
لا شيء يحدث, و إذا حدث و حدث شيء.. يبقى خالدا" أبديا" لا ينسى, يولد في كل لحظة من جديد, و كأنه يتناسخ عبر الأفواه و الأفكار, يتقمص كل يوم شخصية راويه و يتحول مع السنين لهوية ما, يحصرونك ضمنها, و تصبح أنت.. الإنسان, كائنا" محدودا", أسيرا" لحدث ما أو غلطة ما اقترفتها قبل أن تفتح عينيك.
قررت أن أتركها منذ ذاك الزمان, بعد أن تركتني أتساءل, و تابعت محاولاتي إلى أن نجحت,و انطلقت في رحلة نسيان كما يقول ماركيز.
و مؤخرا" فقط, قرأت لأدونيس جملة يقول فيها أن العالم العربي يبدو له كبلدة أو قرية صغيرة تعيش بعيدا" عن الحياة الواقعية, تحيا خارج التاريخ. و لذا فهي لا تؤثر و لا تشكل فرقا".
و الحقيقة أني توقفت طويلا" مقارنة تشبيهه للعالم العربي بتلك القرية المتأخرة, بمدينتي الصغيرة و كيف هربت منها.
و أسأل اليوم.. كيف يفر الإنسان من قريتنا هذه, وطننا العربي هذا, تخلفنا هذا, و حلمنا الجماعي المكسور هذا؟
كيف ننطلق باتجاه العالم المتحضر-الحياة الحيّة و نحن مشبعين بفراغنا الرهيب, فحين هربت أنا من مدينتي كنت أحمل مكنونات نادرة أستعملها كل يوم لأحيا دون أن أذوب كالملح في طوفان البشر المتهادي دون دليل في مدينة كبيرة مثل دمشق..فماذا يستعمل الانسان العربي عندما يهجر وطنه و يغادر غربا"؟؟
فهو لا يستطيع أن يعاصر المكان الذي سيرحل إليه, و بعد أن يغادر و يغيب عن القرية, لن يستطيع أبدا" احتمال العيش فيها مجددا" إذا فكر في ذلك..
مأساة متعددة الأوجه, متجددة عبر الزمان, مقيتة .
ما هي الميزات التي يملكها المواطن العربي اليوم.
صفر.
يولد الطفل العربي في كل البيوت باختلاف المستويات المادية و الاجتماعية ليجد أن أفضل غذاء يقدم له هو كل غذاء مزيف.
و من هنا تبدأ الحكاية.
الزيف في كل شيء, الكذب في كل جرعة ماء, الضعف في كل ملعقة سكر توضع في الشاي, فاخر الاسم رديء النوعية.
في الحليب الممهور بأختام الصحة المشين لدرجة الخجل من فراغه من كل مادة مغذية.
و قس على ذلك كل الخضراوات والفواكه التي ترتدي المبيدات الحشرية و الهرمونات بدلا" من القشور.
و القمح المخزن منذ عهد بني العباس في الصوامع, الفاقد لكل الخير.
لا خير, لا غذاء, لا نظافة, لا في القلوب و لا في الأيدي و لا في البطون.
فأي مواطن هذا الذي سينتج من هذه المعادلة البشعة.
و بعد إساءة البناء الجسماني, يتدرج الطالب العربي في المدرسة, التي ستتولى بكل نجاح مهمة تكريهه و أهله في كل كتاب, في الاجتهاد و النجاح, ستسرق منه كل أحلامه و طموحاته, و ستقولبه لتجعل منه مواطنا" نموذجيا" سكوتا" مطيعا" مهزوزا" بيدين طويلتين, ممهورتين بأختام الجامعات التي تشهد بأنه انضم لقافلة الخريجين, حاملي الشهادات العليا في الجهل و التخلف.
و سيعلق كل واحد منهم شهادته تلك في صدر الغرفة, متباهيا" بما يؤكد مشروعية انمحاء شخصيته و انضمامه للجمع الغفير الرمادي المغبر الذي يبدو من بعيد كسرب اسماك ساكن, مثل صنم مجيد بين زمنين, أو كقطيع خرفان يهشونها , يسيرونها, يجوعونها, يسيئون معاملتها, يهينونها, يرمونها, يمسحون بها أوساخ بقية الأمم, لا فرق .. فالمهم عند العربي الانتماء لتلك الجماعة.. و عدم الخروج عنها, و الأهم.. عدم التميز, و التهرب من كل صرخة إبداع يطلقها عقله الحبيس.
تقتل المدارس المبدع, و توقف اكتسابه للعلوم الحقيقية, و تنسيه ذاته, و تتهجم على معتقداته النامية كالبراعم الصغيرة تحت نور الواحد الأحد.. لتدوسها, و تزرع في تربته بذارها المعدلة جينيا" نحو الاعتقاد المنظم بإله يناسب المؤسسات, كل المؤسسات, و لا يخيف أحدا".
بدليل أن الدين لم ينجح حتى اليوم في تغيير سلوك المجتمعات.
تربي المدارس الكذب في نفس التلميذ العربي المجتهد.. و تدربه على ارتداء الأقنعة.
تنمي فيه الأنانية, و تهمس له كل يوم.. كن ببغاء... كن ببغاء..فالرابح هو الببغاء.
ماذا نتوقع من هذا الفرد, الناشئ, كيف سيستقبل العالم و هل سيفكر يوما" في هجر الوكر الدنيء الذي يعيش فيه؟
و إذا خرج.. كيف سينزع الكذب من دمه, كيف سينسى الأقنعة و الوجوه, كيف سيرمي مقتنياته الهشة التي رباها الشبر بالنذر.
كيف سيقف وحده عاريا" دون قطيع؟
يتماهى, يتموه, ينتهي, يبدأ من جديد, و يموت كل مرة..مرتكبا" نفس الخطايا.
يتكرر كل يوم في كل شخص يحلم فقط في أن يأكل, و يشرب, و ينام, و يذهب يوم العطلة لعند أمه.
و فيما يخص المستقبل.. يرى أنه فعل كل ما يجب في إنجابه لأبناء يحملون اسمه فقط ( لأن من خلّف ما مات).. ليساعدوه وحده عندما يشيخ, ليحملوا جثته عندما يموت, ليوارونه الثرى دون منيّة الغريب, دون الاكتراث بقدرتهم على مساعدة أنفسهم.. هذا أمر تافه!
فالمهم أن توجد بجسدك, لا يجب أن تقبل بعدم التواجد. و لا يهم أبدا" ماذا تفعل..أو بماذا تفكر..
هذه ببساطة هي آمال الفرد العربي و مبرراته في إنجاب الكثير من الأولاد.
إلى جانب أنه يجب أن يتكاثر كي يحرر أحفاده ذات يوم ما سرق منهم. و أنه يجب ان يتكاثر أكثر ليباهي به نبيه( بعدده) و ليس بعدته يوم القيامة شعوبا" أخرى لم و لن تبزه عددا" أبدا.
فليحيا وطن الببغاوات إلى الأبد..شامخا", متغنيا" بخرافات يرددها صغاره صباح كل يوم في مدارسهم , بهتافات جوفاء لا يليق بها سوى اسم الخيال اللا علمي..
فلتحيا الأكاذيب وحدها و أوهام الوحدة و الحرية على صخرة تتكسر تحت قدميها النفوس.. كل النفوس.
المترجمة يارا البرازي