المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مطعم العم ابو عفيف التاريخي للحمص والفته


بهيج
17/12/2009, 05:52 صباحاً
..أردت أن أشرب, فقصدت المدينة البحرية التي لا تجف ينابيعها.

هل تصدقون أنها كانت خالية من الماء,وكل صنابيرها تضخ الهواء الذي يحمل معه رائحة الصدأ ,

قرعت أبواب عديدة, قصدت السبيل فما ارتويت.فقصدت البحر ...

من بعيد رأيته شفافاً جذابا ًوحنوناً شدتني زرقته وهدوءه فدنوت منه أسأله أين خبأ الماء العذب

لكني انشغلت بوجعه كان متعباٌ ,أراد أن يستحم فتعرى من خجله وتمدد فوق الشاطئ الرملي الفسيح

ولم يكن ثمة حراس ,مدّ يده نحوي أراد أن يصافحني فاندفعت إليه في عناق طويل ونسيت عطشي وتعبي

لكني لم أنس أبا عفيف ....

قبل عشرون عاماً عرفته كانت فضاءل البحر تستوطن فيه وكان شامخاً كالجبال

كان المطعم الشعبي يشكل ما يشبه المنارة لسكان مدينة جبله و أبوعفيف هو حديثهم الدائم

فهو رجل كريم محب للخير يعطف على الفقراء ويحب زيارة قبور الموتى .

ولعل موقع مطعمه في وسط السوق قد أكسبه الكثير من الشهرة فإلى الغرب منه يقع ميناء الصيد

وما أن يخرج الصيادون من البحر حتى يجتمعوا على قدر حمص أو فول عنده ,

وإلى الشرق تقع صالة السينما الوحيدة أما جنوبا فهنالك حي العزة وإلى الشمال سوق الخضار واللحوم

لذلك إذا ما أراد المرء أن يتنقل فلا بد من أن يمر قرب المطعم لذلك كان الرجل

لا يتوقف عن رد تحيات المارة ويردف الحمد لله على السلامة لمن لم يشاهده منذ عدة أيام .

الفته من الأطعمة الأرخص عالمياً وهي موجودة باستمرار على موائد اهل البلده

بحيث أن اسمها في بلدتنا صينية الفتة تحتوي على مجموعة من العناصر التي تشكل وجبة شعبية

رخيصة الثمن غنية بالبروتينات, تشد الجائعين وتسيل لعابهم ,

لكن سرعان ما يتحول الانجذاب لها إلى نفور منها . كما يتم مزج قطع الخبز الصغيرة بماء الحمص

المغلي على إيقاع تصاعد الأبخرة مع رائحة الكربون والطحينة الممزوجة بماء الزفير لتكون النتيجة

وجبة شهية فالفتة في عندنا يجتمع حولها أفراد الأسرة وتسيل لعابهم رائحة الحمص الساخن

إلى درجة الغليان ويخيل لكل فرد أنه سيلتهم القدر بكامله لكن بعد عدة ملاعق مزدوجة تبدأ المعدة

بالشكوى من سيل الطعام غير القابل للهضم بيسر وتتحول الرغبة بالابتلاع إلى رغبة معاكسة ويبتعد

الجميع بوقت واحد عن القدر وهم في حيرة من أمرهم ... ولو قيض لي اليوم أن أقيم عمل الرجل لمنحته

أعظم الجوائز لأنه على مدى 50 سنة وهو يطعم الناس صحون الحمص بالطحينة والفول وتفرعاتهما

وكان خلالها ملكاً بلا منازع ولكي تدركوا أهمية ذاك النتاج يكفي أن تعرفوا بأن الناس في مدينتي من أفقر

سكان بلدي خلافاً للشائع وبالتالي فإن صحن الحمص هو سيد موائدهم في الصباح والمساء وما بينهما

أيضاً وببضع فرنكات صفراء يمكن لمعيل الأسرة أن يتخلص من جوع أولاده ونقهم خاصة وأن المرء

يمكن أن يحصل على كمية مضاعفة وبذات السعر من عند العم أبوعفيف الذي يعود إليه تقدير كل حالة

على حدة فنوعية الصحن ووزنه وشكله والنقوش التي تزينه واليد التي تحمله كلها معطيات تكفي ليقدر

أي سخاء يستحق حامله ...وبالتالي يكون كرمه في محله دوماً ...

كان محله قد تغير كلياً وبدت عليه مظاهر البذخ واستبدل الطاولات الخشبية بتلك المصنوعة من الألمنيوم

والقدور الفخارية التي تقوم بطحن الحمص استعاض عنها بطاحونة كهربائية, وثبت على واجهة المحل

شاخصة الكترونية تحمل اسم المطعم مع بعض الرسومات كما لم ينسى أن يزود المطعم بلاقط بث أقمار

صناعية .أما هيئة صاحب المطعم فقد تبدلت تماماً إذ أحدودب ظهره وعلت أنفه نظارات سميكة وانكمش

جسده بحيث بدا أقل طولاً .


يرجى الاطلاع____________________

rami55
17/12/2009, 04:35 مساء
القصة تحمل بين أحرفها و ثناياها نسمات من عبق الماضي

و تتغلغل بين سطورها الأصالة و العرفان بالجميل فتسمو

معها الروح لتتدفق على الصفحات باقة عطرة من أريج المعاني

لقد امتزج إرث الماضي بحداثة اليوم فبان ثغور الضعف و الوهن

الذي وصلنا إليه في أيامنا هذه فباتت العلاقات مادية و المساعدة مفضوحة

و نام الضمير في أحضان الأنانية فبات أبو عفيف رمز من رموز العطاء

و الإيثار فكم اختزلت الشهامة و العطاء بصدقة أو كلمة مأجورة ليس لها معنى

لو عدنا إلى تلك الحقبة من الزمن و دخلنا السوق التجاري العتيق لرأينا

أن طقوسا زالت في كل مناسبة كانت تمر على البلدة و لها زينتها الخاصة

و عروضها المنوعة و مصابيحها الكبيرة مع سجادة صلاة فوق بضائعها

رحم الله تلك الأيام الخوالي و التي ستظل نفحة من نفحات الأصالة و العطاء

مشكور أخي على هذه الذكرى العطرة و رحمنا الله جميعا أحياءا و أموات

alhayssam
17/12/2009, 04:55 مساء
الموضوع جميل وهام

اسلوب السرد رائع جدا

بهيج ...

تمتلك قدرة كاتب روائي قدير

نتمنى أن تتابع على هذ المنوال

بإنتظار المزيد من كتابتك

تستحق النقاط العشر والتثبيت

تحياتي ....

غربة
17/12/2009, 08:49 مساء
موضوع جميل وشيق وفيه ذكرى جميلة في أحياءنا القديمة ذكرتنا بطعم الحمص والفول والفتة الله ...الله ....على أكل مدينتنا هذه الأيام صار البديل حمص النابلسي الذي صار يطلب من آخر سوريا بس ذكرى هذا الإنسان سيظل عالق في أذهاننا الله يرحمه ويرحم أمواتنا جميعا أشكرك على هذا الموضوع الجميل والتعابير المنمقة

بنت الشرق
17/12/2009, 09:12 مساء
سرد القصة فيها عبق من الماضي
عندما كنت صغيرة وأخذ معي الصحن
لأشتري من عند العم أبو عفيف الحمص والفول
كانت دكانه الصغيرة التي تمتلئ برائحة الحمص الساخن
لها وقع جميل على مدخل السوق القديم
كان للماضي الممزوج بين الحاضر له طعم على الذكرى
بسرد قصتك رجعتنا لذاكرة الطفولة مع الماضي
اللهم ارحم أمواتنا وارحم الأيام التي مضت
يعطيك العافية أخي بهيج على مجهودك الواضح
لك احترامي الوافي ........

بهيج
18/12/2009, 12:14 صباحاً
السلام عليكم ورحمة الله

إنه لشرف كبير لي أخي الهيثم إذ منحت اول سنتيمترات يخطها قلمي في اول مشاركة لي
شرف التثبيت .
وانني لاشكر اخوتي الذين اطلعوا على كلماتي المتواضعه هذه ,والذين ابدو رأيهم بالاعجاب والتقدير .


أخي رامي ,والاخت غربه ,والاخت بنت الشرق. كما وأحيي اسرة الهيثم بالكامل فردا فردا


يرجى الاطلاع________________

طارق بن زيد
18/12/2009, 01:10 صباحاً
قصة من الواقع والتي نحن اليها جميعا

إنك أخي الكريم عدت بنا الى الوراء كثيرا كثيرا

وسردك من أروع السرد

لك كل المحبة والتقدير

ابو وائل الآغا
18/12/2009, 02:38 مساء
أسلوب جميل في كلامك وسرد الموضوع
اتمنى لك دوام النجاح في المنتدى

صاحب القلم
30/12/2009, 04:42 مساء
عندما رأيت العنوان لم يخطر على بالي


إلا أن صاحب الموضوع قد أضاع العنوان


فالقسم مخصص للمقالات الأدبية و هناك قسم خاص بالمأكولات و بأخبار جبلة


لكن ما أن قرأت الموضوع حتى أدركت أنني


أمام وجبة أدبية سخية ودسمة


فما شاء الله عليك أخي بهيج




لديك قدرة رائعة على التعبير



وطريقة سردك سلسلة


تابع يرعاك الله

الدومري
31/12/2009, 02:20 مساء
قرأت ما هنا مرات عديدة
في كل مره أجد شيء جديد

أخي بهيج أبهجتنا بهذه الرائعه

عهد قوجة
06/01/2010, 12:48 مساء
أبداً لا يمكن للمدينة الخالدة أن تفقد ماءها !
طالما فيها من الأبناء من لا زال يذكر
عذوبتها
رغم أنها مدينة الملح !
الملح ياصيديقي
هو من يعيد إليك تلك الذكريات
ورائحة الصدأ تفوح من القلوب المهاجرة لتنعكس على العالم أجمع
أنا مثلك
أشتاق للبحر الذي يضفي على إحساسنا قوة الحب
الحب لكل السمات الإنسانية ولكل همسة تنبع من الطيبة المفرطة لمدينتنا
وأنا مثلك حين تجف مني الدماء
أبحث عنها
وعنه
جبلة والبحر
لا شيئ يوازيهما
البحر وجبلة هما الحب والمحبة ، الغضب والتسامح ، والغفران
هما البعد الآخر لنا
نحن الغارقين في السفر
نحن المبعدين !
أبعدتنا الطموحات
والبحث عن الظلال

تلك الصخور التي كانت تغرينا
مازالت هناك شامخة .......وتغرينا، منذ الأزل ....... تودّع أبنائها وتودِعهم نصائحها ولكن لا تستوقفهم !
حتى هي تعرف أن عليهم الرحيل
ألم تر الصخور المهددة بالزوال
ألم تسمع أنينها؟
تحت وطأة النفايات؟
البحر ياسيدي لم يعد يمنحنا فضائله
حتى هو
يميل لدول الجوار التي تحافظ على ذريته !
التحيات رحلت إذاً مع أبي عفيف
رحم الله أبو عفيف
ورحم الطيبة
وكل الأسئلةالتي لم يعد من المجدي الإجابة عليها

ولكن ، هل اختلطت مظاهر البذخ وطاولات الألمنيوم مع طعم الفول؟
وهل انكمشت القامات فقط ؟
أم انكمشت الآمال والعواطف ؟


و



ربما نظن أن المدينة البحرية الخالدة

خالد اورفلي
06/01/2010, 10:49 مساء
في البداية لابد من الترحيب بك في المنتدى وانضمامك للمشاركة فيه البارحة مرت كلمة ( شط ) والكثير لايستخدمها حالياً واليوم أبوعفيف الله يرحموا ويطيب ثراه ملك الحمص والفول والفتة وخاصة في الشتوية وبصراحة كان الواحد مابيوصل لعندو الا مبلل من المطر لكن في الأخير بياكل فتة سريعة حتى الآن مابشعر بطعمتها من يديه من بائعي الحمص اللي كتروا وهي فرصة للمنافسة لكن أكلات ايديه غير شكل وحتى كان أبو عفيف يسامحنا وقت مندخل على السينما وخاصة بنص القيمة بعد بدء الفيلم بخمس دقائق الله يرحموا شوكان كريم ومسامح وطيب وحتى تمشيط شعراتوا وهوي مطولن والله رجعتينا عشرين سنة وبصراحة لايمكن أن ننسى ذكرياتنا عنده شكراً جزيلاً لطرحك فقرات لشخصيات مازالت في ذاكرتنا دمتي للمنتدى .

الشاعر
08/01/2010, 02:26 صباحاً
اعدتنا الى ماض ليس بقريب ولا بعيد


وأججت في نفوسنا شوق الى تلك المرحله من الزمان

وببراعة وصفك وسردك اثرت شهيتنا الى تلك الاكلات وخاصة من تحت ايادي العم ابو عفيف

مشكور اخي الكريم بهيج على هذه التذكره الطيبه

لك ودي,,,,,,,,

خالد اورفلي
09/01/2010, 01:39 صباحاً
أخي بهيج لك جزيل الاحترام في ايقاظ زكرياتنا وربطها في قصة حلوة واقعية وهي فيديو كليب قصصي لرجال بلدنا البسيطين وهم قدوتنا وتراثنا الذي لايمكن أن يمحى من مخيلتنا ياريت ورجاء أن يكون لك دائماً اختيارات لشخصيات مشابهة لك وقعها وحلاوتها وطيبتها لك جزيل الاحترام.

عهد قوجة
14/02/2010, 03:14 صباحاً
هذه مدينة الإنعاش
الحب يساعد البحر فيها على البقاء
البحر رمز للحب
يوجه دعوة مفتوحة للعناق مع الحياة
وبلحظة تضيع خطواتك المتسارعة فيها
ويبدو كل ما جريت خلفه فارغاً
وتصبح تائه
بعيداً عن الذكريات
تحاول أن تتحلى بالصبر
فتتوه أكثر

لا يوجد في مدينتنا مكان للإختباء
كلنا وسط العيون
نبتلع الخوف من الإنتقاد ! مع الشاي

منذ الأزل كان الحب قاطناً في مدافئنا
نفذ الحطب
ولم ينفذ الحب


الريح تدمدم
وهذه الامواج تجري بسرعة وكأنها على موعد مع أحد ما ، يحزنها حتى الثمالة
حتماً هو :
الحبيب كمرادف للحزن



المحامية عهد قوجة